موفق الدين بن عثمان

105

مرشد الزوار إلى قبور الأبرار ( الدرر المنظم في زيارة الجبل المقطم )

فطر عليها ، فقد كان منطويا يحب العزلة ، ولا يطمئن إلّا إلى صحبة الفقهاء ورجال الدين ، فحفظ القرآن الكريم والكثير من الأحاديث . فلما عرف السلطان عنه هذه الصفات قرّبه منه ، وصار لا يبرح مجلسه ، ولمّا طلب منه شاهين أن يتركه ويخليه لعبادة ربه أجابه إلى طلبه ، وأعتقه ، فساح إلى بلاد فارس ، وهناك تتلمذ على يدي الشيخ العارف بالله تعالى عمر الروشنى بمدينة تبريز ، حتى أصبح من أقرب تلاميذه ومريديه إليه . وأخذ عنه الطريق « 1 » . ثم رجع إلى مصر ، وصاحب ولّى اللّه سيدي محمد الدمرداش بالعباسية ، وأصبح من أعز رفقائه ومريديه ، ولذلك عرف باسم شاهين الدمرداشى المحمدي - كما ذكرنا آنفا . كذلك أخذ الشيخ شاهين عن الشيخ أحمد بن عقبة اليمنى ، وحسين جلبي المدفون بزاوية الدمرداش . ولما توفى الشيخ محمد الدمرداش ترك الشيخ شاهين العباسية وسكن الجبل المقطم ، وبنى له فيه معبدا ، وحفر له فيه قبرا « 2 » . ولم يزل الشيخ شاهين مقيما في خلوته في جبل المقطم لا ينزل إلى مصر نحو ثلاثين سنة ، واشتهر أمره ، فتردّد عليه الأمراء والوزراء لزيارته والتبرك به . وفاته : وكان - رحمه اللّه تعالى - كثير المكاشفة ، قليل الكلام جدّا ، وفي ذلك يقول الشعراني : « تجلس عنده اليوم كاملا لا تكاد تسمع منه كلمة » . وكان

--> ( 1 ) انظر : سعاد ماهر ، والشعراني ، وعلى مبارك ، المصادر السابقة . ( 2 ) بعد أن عرف المسلمون تقديس الديانات السابقة على الإسلام لهذا الجبل ، وبعد أن عرفوا أنه يدفن فيه غراس الجنة ، جعلوه مقبرة للمسلمين - كما مر بنا في أول هذا الكتاب - ومن الطبيعي أن يلجأ إليه الزهاد والمتصوفون يتخذون من سفحه مقاما ، ومن أوديته مناما ، وخلوات يتعبدون فيها .